مساعدات تحت المجهر.. كيف تهدد اختلالات التوزيع عدالة الإغاثة في غزة؟
BN reportقراءة 8 دقائق
صورة أرشيفية تُظهر المكان لا الحادثة.
غزة- أحمد أبو قمر
بعد أكثر من ثمانية أشهر على وقف إطلاق النار واستئناف دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، لا تزال العدالة في توزيع الإغاثة محل تساؤل لدى آلاف الأسر التي تقول إنها لم تتلقّ أي دعم، في مقابل أسر أخرى حصلت على مساعدات متكررة من جهات مختلفة.
وفي الوقت الذي يعتمد معظم سكان القطاع على المساعدات باعتبارها شريان الحياة الوحيد، تتزايد شكاوى المواطنين من غياب معايير واضحة للتوزيع ومن اعتماد بعض المؤسسات حديثة العهد بالعمل الإغاثي على قواعد بيانات غير مكتملة أو على عمليات تسجيل ميدانية لا تشمل جميع المحتاجين.
ومع غياب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عن الدور المركزي الذي كانت تؤديه سابقا في إدارة ملفات الإغاثة، برزت مشاكل كبيرة في آليات توزيع المؤسسات المحلية والدولية العاملة في القطاع للمساعدات، إذ لا تمتلك كثير منها قاعدة بيانات شاملة للأسر المستحقة، الأمر الذي أدى إلى فساد وازدواجية في حصول بعض الأسر على المساعدات مقابل حرمان أخرى، ما زاد من حالة الاستياء بين الغزيين.
تساؤلات مشروعة
ويثير غزيون تساؤلات حول آليات التسجيل وجمع البيانات، مشيرين إلى أن بعض الكشوف تعد من خلال التسجيل داخل مخيمات النزوح أو عبر معارف ومسؤولين محليين، وهو ما يرون أنه قد يؤدي إلى تفاوت في فرص الحصول على المساعدات.
الفلسطيني عبد الرحمن سعدة يقول إنه لم يحصل منذ أشهر على أي طرد غذائي من المؤسسات العاملة في قطاع غزة، رغم تسجيل اسمه لدى أكثر من جهة إغاثية، موضحا أن وضعه المعيشي يزداد صعوبة يوما بعد آخر، في ظل اعتماده الكامل على المساعدات بعد تدمير منزل العائلة في مشروع بيت لاهيا شمال القطاع.
ويشير سعدة إلى أن المفارقة تكمن في أن شقيقه يتلقى مساعدات غذائية بصورة متكررة، رغم أن منزلهما واحد وقد دمّر في بداية الحرب. ويوضح أن شقيقه يقيم حاليا داخل مخيم للنازحين في منطقة وسط القطاع، بينما اضطر هو إلى الإقامة داخل غرفة صغيرة لدى أقاربه في نفس المنطقة، معتبرا أن المؤسسات تمنح أولوية واضحة للمقيمين في مخيمات النزوح مقارنة بالأسر النازحة داخل المنازل.
ويضيف: “لا أعترض على حصول أي نازح على المساعدة لكنني أتساءل عن معيار العدالة، احتياجاتنا واحدة وخسرنا المنزل نفسه، فلماذا تصل الطرود لشقيقي باستمرار بينما لا يصلني شيء؟ إذا كانت هناك قاعدة بيانات موحدة لما حدث هذا التفاوت”.
وفي مخيم يقع شرق مدينة دير البلح، يقول الفلسطيني إسماعيل بشير إن سكان المخيم يشعرون بتهميش واضح في عمليات توزيع المساعدات مقارنة بمناطق أخرى، مؤكدا لـ”العربي الجديد” أن كثيرا من العائلات لم تحصل إلا على مساعدات محدودة، بينما يشاهد السكان قوافل الإغاثة تتجه إلى مناطق أخرى بصورة متكررة.
ويرى بشير أن قرب المخيم من المناطق المحاذية لما يعرف بالخط الأصفر قد يكون أحد أسباب قلة وصول المؤسسات والمبادرين، لكنه يؤكد أن السكان لم يتلقوا تفسيرا رسميا لذلك.
ويقصد بالخط الأصفر بالمناطق التي تسيطر عليها إسرائيل وترفض عودة السكان إليها، حيث تبلغ قرابة 70% من مساحة القطاع، وهو ما يزيد الضغط على الغزيين في منطقة جغرافية صغيرة.
ويضيف أن استمرار هذا الواقع يفاقم الأوضاع الإنسانية لعشرات الأسر التي تعتمد بالكامل على المساعدات.
ويتساءل: “ما هي المعايير التي تُحدد أولوية التوزيع؟ ولماذا تحظى بعض المخيمات بزيارات متكررة بينما لا تصل مؤسسات الإغاثة إلى مخيمنا إلا نادرا؟ نريد فقط أن تكون الفرص متساوية بين الجميع”.
تحديات التوزيع
ويقول مصدر يعمل في إحدى المؤسسات الإغاثية، طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالحديث للإعلام، إن المؤسسة لا تمتلك حتى الآن قاعدة بيانات شاملة لجميع سكان قطاع غزة، وإنها تعتمد على عمليات تسجيل ميدانية متواصلة في محاولة للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأسر المحتاجة.
ويضيف المصدر أن المؤسسة تمنح أولوية للنازحين المقيمين في الخيام، باعتبارهم الأكثر عرضة للمخاطر ويتم جمع بياناتهم من خلال لجان أو مسؤولي المخيمات. ويقر بأن هذه الآلية ليست مثالية لكنها الخيار المتاح في ظل الظروف الحالية.
وبحسب المصدر، تكتشف المؤسسة أحيانا وجود أخطاء أو بيانات غير دقيقة في القوائم الواردة من بعض المخيمات، مثل تكرار أسماء أو إدراج أسماء لا يمكن التحقق من وجودها، ما يفرض على فرق العمل مراجعة الكشوف باستمرار، مؤكدا أن مؤسسته تسعى إلى الحد من هذه الإشكالات لكنها تواجه تحديات كبيرة.
ويلفت إلى أن المؤسسات العاملة تتطلع إلى بناء قاعدة بيانات أكثر شمولا بالتعاون مع الجهات المختصة بما يسهم في رفع مستوى الشفافية وتقليل الازدواجية وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها وفق معايير أكثر وضوحا.
وخلال إعداد هذا التقرير، أفاد مصدر مطلع بأن إحدى المؤسسات حديثة العهد بالعمل الإغاثي تعتمد في بعض حملات التسجيل على متطوعين محليين داخل الأحياء وأن ذلك قد يؤدي إلى تسجيل أعداد كبيرة من الأسر في مناطق معينة مقارنة بمناطق أخرى.
وأضاف المصدر أن المؤسسة، بحكم حداثة تجربتها وعدم امتلاكها قاعدة بيانات، تفضل الإسراع في توزيع الطرود فور انتهاء عمليات التسجيل بدلا من تأخيرها لإجراء عمليات تدقيق موسعة وهو ما قد يؤدي إلى حصول بعض الأسر على مساعدات أكثر من مرة، في حين تبقى أسر أخرى خارج قوائم المستفيدين.
وتشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي الصادرة في يوليو 2026، إلى أن حجم المساعدات التي تدخل قطاع غزة لا يزال أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية، إذ لا تتجاوز في أفضل الأحوال نحو 30% من الكميات المنصوص عليها في البروتوكول الإغاثي والذي يتحدث عن دخول نحو 600 شاحنة يوميا.
ووفق تحليل لأرقام الشاحنات، نجد زيادة الشاحنات التجارية خلال الشهور الأخيرة مقابل تقليص شاحنات المساعدات الإنسانية، في وقت يعتمد فيه نحو 95% من الأسر على الإغاثة، وهو ما يعمق أزمة المساعدات في غزة.
بحاجة لمنظومة موحدة
ويرى رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، رامي عبده، أن منظومة الإغاثة الحالية تواجه تحديات تنظيمية كبيرة، أبرزها غياب التنسيق بين الجهات العاملة وعدم وجود قاعدة بيانات موحدة كما كان معمولا به سابقا، الأمر الذي انعكس على كفاءة عمليات التوزيع.
ويقول عبده إن هذا الواقع أسهم في تكرار حصول بعض الأسر على المساعدات مقابل بقاء أسر أخرى خارج قوائم المستفيدين، فضلا عن تركز جزء كبير من عمليات التوزيع داخل مراكز الإيواء بينما تواجه عائلات تقيم في منازل متضررة أو مناطق بعيدة صعوبة أكبر في الوصول إلى الدعم.
ويؤكد أن تحسين آليات الإغاثة يتطلب إنشاء منظومة وطنية موحدة لتبادل البيانات بين المؤسسات واعتماد معايير تستند إلى عدد أفراد الأسرة ومستوى احتياجها ومكان إقامتها بما يعزز العدالة ويحد من الازدواجية.
بدوره، يحذر المختص في الشأن الاقتصادي محمد الدريملي من أن استمرار الاختلالات في توزيع المساعدات يهدد الأمن الغذائي في قطاع غزة، موضحا أن اعتماد الغالبية الساحقة من السكان على الإغاثة يجعل أي خلل في التوزيع ينعكس مباشرة على قدرتهم في توفير احتياجاتهم الأساسية.
ويضيف الدريملي أن التراجع الحاد في القدرة الشرائية نتيجة ارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة وانخفاض دخول الأسر، جعل كثيرا من المواطنين غير قادرين على شراء السلع التجارية، خاصة مع ارتفاع أسعارها وفرض تنسيقات مرتفعة عليها، الأمر الذي يزيد من أهمية عدالة توزيع المساعدات الإنسانية.
ويشدد على أن معالجة هذه الإشكاليات تتطلب تحسين آليات التوزيع وتوحيد قواعد البيانات بين المؤسسات وتعزيز التنسيق فيما بينها، إلى جانب استعادة منظومة تمتلك خبرة واسعة في إدارة الإغاثي بما يضمن وصول المساعدات إلى الأسر الأكثر احتياجا ويعزز ثقة المواطنين في العمل الإنساني.
من جهتها، أكدت خبيرة الأمن الغذائي، عائشة أبو حصيرة، أن تحقيق الأمن الغذائي في قطاع غزة يرتبط بشكل مباشر باستمرار تدفق المساعدات الإنسانية وضمان وصولها بصورة عادلة ومنتظمة إلى مختلف المناطق والفئات السكانية.
وقالت أبو حصيرة إن أي خلل في توزيع المساعدات، سواء نتيجة القيود المفروضة على المعابر أو صعوبة الوصول إلى بعض المناطق أو سوء الإدارة والاحتكار، لا يؤدي فقط إلى نقص مؤقت في الغذاء وإنما يفاقم هشاشة الأمن الغذائي ويخلق تفاوتا حادا بين الغزيين.
وأوضحت أن تركز المساعدات في مناطق محددة وحرمان مناطق أخرى يمكن أن يؤدي إلى ظهور بؤر تعاني من الجوع وسوء التغذية الحاد والجفاف خصوصا بين الأطفال وكبار السن، مشيرة إلى أن ضعف آليات التوزيع قد يسهم كذلك في تسرب المساعدات إلى الأسواق وارتفاع أسعارها ما يحرم الأسر الأكثر احتياجا من الوصول إليها.
وحذرت أبو حصيرة من تهميش الفئات الأكثر ضعفا وبينها النساء المعيلات وكبار السن وذوو الإعاقة، مؤكدة أن الأمن الغذائي لا يعني توفير السعرات الحرارية فقط وإنما يتطلب أيضا تنوعا غذائيا يضمن الحصول على البروتينات والفيتامينات والمعادن.
وشددت على أن عدالة التوزيع وشفافيته تمثلان عاملا أساسيا للحد من سوء التغذية، وحماية الصحة العامة، وتعزيز صمود المجتمع في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها قطاع غزة.
وبين شهادات المواطنين وإقرارات العاملين في القطاع الإغاثي بوجود تحديات تنظيمية وآراء الخبراء الداعية إلى إصلاح منظومة التوزيع، تبقى العدالة في إيصال المساعدات إلى مستحقيها واحدة من أكبر التحديات الإنسانية في قطاع غزة.
وفي ظل استمرار الاعتماد شبه الكامل على الإغاثة، فإن أي خلل في آليات التسجيل أو التنسيق أو تبادل البيانات لا يقتصر أثره على حرمان بعض الأسر من الدعم وإنما ينعكس أيضا على ثقة السكان بالعمل الإنساني.